|
الشقي والسعيد |
|
هكذا.. الإنسان، يجمع كل أراشيف حياته وهو يهم بالانتقال من الحياة السابقة إلى هذه الحياة الدنيا، ويتلخص جنيناً، ثم طفلاً يلفّه الغموض والانكماش. حتى إذا وجد مناخه المتناسب مع ركائزه، تبدأ ذاتياته بالتعبير، فيعطي جميع التفاصيل، بكامل الإيجابيات والسلبيات التي طبعته في الحياة السابقة، بصورة أوسع وأكمل. وكما أن حبة المطر التي تسقط على الأرض، لا تنسى هويتها، وإنما تتبخر عائدة إلى الأجواء العالية لإعادة التجربة، أو تتسرب في شرايين الأرض المتعرجة في طريقها إلى أمها البحر. كذلك: الإنسان الذي يأتي طفلاً بائساً إلى هذه الحياة الصاخبة المكفهرة، لا يفقد أدنى ذبذبة من حنينها الذي أتى به من العالم السابق، وإنما يبدأ البحث الحثيث ـ منذ اللحظة الأولى ـ عن مطامحه وأهدافه: فيصطدم بالمعاكسات التي يعلن استنكارها ببكائه، ويستقبل المناسبات التي يعبر عن استرضائها بابتسامته. ويواصل بحثه الدؤوب، حتى يستقر في القالب الذي تفرغ منه وأعدّ له. ولذلك: نجد كل إنسان يختار لنفسه ما قد لا يناسب بيئته وأسرته، بشكل يصعب التكهن به من قبل. وكما أن ذرات الكون تلتقي مثيلاتها حتى تشكل وحدات أعظم، فمثلثات الحرارة تتصاعد، ومربعات البرودة تتهابط، وجزئيات الأوكسجين تتجاذب، ورشاش الماء تتجمع، ورذاذ التراب تتراكم، والسوارح والطيور تتجاوب في قطعان وأسراب متجانسة... لأنها جمعاء تنطلق من موقع واحد، وبدافع واحد، نحو هدف واحد؛ فمن الطبيعي أن تنساق في خط واحد. مثلها الإنسان: فكل ما في جسمه من ذرات، وكل ما في روحه من موجات؛ تعبر عن حنينها، وتتعرج به في منعطفات الحياة والمجتمع، حتى يلتقي وسطه، فيطمئن إليه، ويرتكز عليه، ويبدأ دورة تكامله من خلاله. وهذه الحالة الذاتية في الأفراد، هي التي تؤدي إلى ظاهرة خروج الكثيرين من الناس على أسرهم، واستقرارهم في أوساط لا تناسب بيئتهم، واختيار أوضاع يصعب التكهن بها من قبل. |
|---|