الشيخ عبد الزهرة الكعبي


بقلم أحد تلامذته

• ولد الشيخ الكعبي في قرية كانت مستريحة بجوار ربوة من روابي كربلاء، التراب الطاهر والطقس المقدس، حيث تنمو الكرامة والعزة، ويرتفع الشرف وتكتمل الأخلاق متألقة عالية تحت ظلال الشهادة والبطولة.. تحت قباب أبي الأحرار ومعلم الثائرين أبي عبد الله الحسين (عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام).

فهو ـ أي الكعبي ـ ابن العزة والكرامة والإباء... عاش بين الجوع والريح والمطر. تذوق مرارة الحرمان، ومرارة السجون.. ومرارة الغربة، كل ذلك من أجل الحق.. من أجل العدالة الاجتماعية.. من أجل أن يكون للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً.

كان في سن الخامسة عندما أدخله أبوه في الكتّاب، والكتّاب عبارة عن مدرسة تجمع عدداً من الأطفال تلقى عليهم فيها دروس الدين والأخلاق والعقيدة.. وتغرس في نفوسهم الصغيرة، المبادئ الكبيرة، لينشأوا أقوياء أشداء، في عقيدتهم وأخلاقهم ونظرتهم للحياة..

في هذا المكان كان الشيخ الكعبي ينمو، ويترعرع ويتدرج في سلم التكامل والأدب.. حتى برع في الفصاحة والبلاغة، والقدرة على البيان منذ نعومة أظفاره، فكان يحفظ القرآن كله، بالإضافة إلى عشرات الألوف من القصائد والأشعار والأمثال العربية، مع دراية عميقة للأحاديث النبوية الشريفة، ولفكر أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام).

كان أبوه الشيخ فلاح الكعبي (رحمه الله) من خيرة الرجال، ومن الصالحين الذين تترك أعمالهم مودة في القلوب، ومحبة في النفوس.

لقد نشأ الشيخ الكعبي في هذه الأجواء التي صنعت منه خطيباً مفوّهاً، ورائداً من رواد الحق والفضيلة. لم تكن تأخذه في الله لومة لائم فكان يقول كلمة الحق ويجاهر بها، حتى ولو كان ذلك يكلفه الإطاحة برأسه، أو إيداعه في السجون.. ولعمري إنه لشرط أساسي أن يكون الخطيب شجاعاً وجريئاً وباسلاً.

نعم، إن القدرة على الصراحة بالحق شرط أساسي في نجاح الخطيب وفلاح الداعية الإسلامي، وذلك لسبب بسيط، وهو أن علاقة اللسان بالقلب تشبه علاقة الظل بالشمس، فكلما كان القلب قوياً وثابتاً، كان اللسان بليغاً ومنطلقاً..

على أن قوة الجنان التي تقوّي اللسان، أو قل: قوة اللسان التي تدل على قوة الجنان، إنما هي منحة وعطيّة من الله، ولا ينالها إلا ذو إيمان وإخلاص وصفاء.. لا ينالها إلا كل صادق كريم.. والصدق صفة ملازمة لقلوب المؤمنين الذين يخافون الله عز وجل ويخشونه.

يقول الحق: (الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله) (الأحزاب: 39).

ومن هنا نجد هذه الآية الكريمة قد ذكرت شرطاً أساسياً في التبليغ ألا وهو الخوف من الله، لأن الخطيب الذي يخاف الله ويخشاه، لا يخاف أحداً سواه، ولا يخشى أحداً غيره، وهذه هي بحد ذاتها صفة طيبة تجعل من الشخص إنساناً فريداً في مواقفه، ووحيداً في عمله.

وإني لأذكر جيداً، كيف كان أستاذنا الكبير الشيخ الكعبي يلقي بهذه المفاهيم علينا ونحن مجموعة من تلامذته، فكان يحاول بشتى الطرق أن يغرسها في أعماقنا فنرتوي منها ونطلب المزيد.

وكان يفسر ذلك بقوله: إن اللسان يعتمد على القلب اعتماداً كلياً، إلى درجة أن اللسان هو الذي يكشف عن حقيقة الإنسان.

ثم يستطرد قائلاً: انظروا إلى إمامنا ومولانا علي أمير المؤمنين (عليه السلام) كيف يصور هذه الحقيقة بقوله: (تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت طي لسانه).

ويقول: (ما أضمر ابن آدم شيئاً إلا وظهر على فلتات لسانه وصفحات وجهه).

أو كما يقول زهير بن أبي سلمي:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة***وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وكان (رحمه الله) يستدل بتلك الآية التي جاءت في قصة يوسف، فيقول: إن يوسف الصديق لم يكن ليصل إلى تلكم المنزلة التي بلغها، لولا لسانه ومنطقه.. وكل ذلك كان يعتمد على صدق يوسف وقوة قلبه، حتى قال الحق سبحانه وتعالى: (فلما كلّمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين) (يوسف: 54).

ثم يضيف الشيخ قائلاً، وهو يخاطب مجموعة من تلامذته الذين درسوا الخطابة عنده، وأخذوا دروس المنبر من تحت يديه، كان يقول لهم:

إن شدة الارتباط بين اللسان والقلب تجعلنا نأخذ الحالة النفسية التي يكون عليها الخطيب ساعة المنبر، بعين الاعتبار، فإذا كان الخطيب يشعر بضيق في صدره فإنه لا ينبغي له أن يصعد المنبر وهو في هذه الحالة، لأن ضيق الصدر يقتل القدرة على الإبداع في المنبر وفي البيان.. بخلاف سعة الصدر وانشراحه، وراحة النفس، حيث يساعد ذلك على الانطلاقة في الخطابة والمنبر ـ وكل ذلك ـ والكلام ما زال للشيخ ـ نستفيده من القرآن الكريم حيث يقول في آيتين جاءتا على لسان نبي الله موسى (عليه السلام) ففي الآية الأولى يقول: (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني) (الشعراء: 13).

فأكّد الربط بين ضيق الصدر وتعثر اللسان ـ في حين أنه بيّن في الآية الثانية أن انشراح الصدر، يجعل اللسان متدفقاً بالبيان، فيقول: (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) (طه: 25-28).

وعندما يلقي هاتين الآيتين أمامنا، فإنه كان يحذرنا ـ نحن الخطباء المبتدئين ـ أن نصعد المنبر من دون النظر إلى هذه الحقيقة بعين الاعتبار.

كان يقول: لا يصعدنّ أحدكم المنبر وهو في حالة مزاج رديء، بل لابدّ للواحد منّا، أن يستعيد نشاطه وحيويته قبل الصعود على المنبر، كأن يتوضأ ويصلي ركعتين، ثم يبدأ باستنشاق عميق، لأن استنشاق الهواء، يحيي الخلايا في الدماغ، وينشط الدورة الدموية، بالإضافة إلى الصلاة التي تشرح الصدر، وتجعل الإنسان أكثر قدرة على البيان والخطابة، بالإضافة إلى أن الصلاة تضفي على الخطيب جواً من الخشوع، وتخلع عليه رداء السكينة والوقار قبل صعوده المنبر.

وعلى فكرة الخطابة ومدى تأثيرها في الناس، فإن الشيخ الكعبي كان يقول لنا: اجعلوا الإمام زين العابدين أسوة لكم في الخطابة، فإنه قبل أن يصعد المنبر في الشام حدد مهمته بكلمات، فقال: أصعد هذه الأعواد لأتكلم بكلمات فيهن لله رضاً ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب. فخط بهذه الكلمة الذهبية طريقاً لكل الخطباء والوعّاظ، والمبلغين حيث يكون هدف الخطيب مصوباً نحو شيئين هما: رضى الله، ونفع الجماهير. والكلام إذا كان يرضي الله، فإنه يؤثر في الناس تأثيراً إيجابياً وتربوياً، لأن رضا الله معناه أن المتكلم يخاف الله ويخشاه، وإذا كان يخاف الله ويخشاه فإنه يصبح من رجال الإصلاح، وحملة الرسالات والمبادئ، بخلاف الذي لا يخشى الله، ولا يخافه، فإنه يصبح رجل دنيا وطالب حطام ومادة، فيتخذ من المنبر وسيلة للارتزاق والعيش، وليس وسيلة لغاية سامية شريفة.. وهذا ما يسبب نفور الناس، وانفضاضهم من حول الخطيب، لأن الخطيب بهذه الحالة، يصير طالب مال ومادة، وليس طالب حق وعدالة..

كما أنه ليس هناك شيء أسرع في إسقاط الخطيب من نفوس الناس، مثل الحالة المادية التي يلتصق بها بعض الخطباء فيحوّل المنبر، إلى متجرٍ مادي، وليس إلى محراب للإيمان والعقيدة.

ثم يضيف الشيخ عبد الزهراء الكعبي (رحمة الله عليه) قائلاً: ومن هنا كان الشرط الأساسي في تبليغ رسالات الأنبياء، هو أنهم لا يسألون الناس أجراً مادياً على ما يبلغون من رسالات الله ومناهجه، وإنما كانت الأجرة هي التقوى، والمودة، ومحبة أهل البيت (عليهم السلام): (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) (الشورى: 23).

هذا من جانب، ومن جانب آخر، كان القرآن الكريم يشير إلى حقيقة علمية، ويكشف عن قاعدة في علم النفس الاجتماعي وهي أن الداعية أو الخطيب، إذا سأل الناس مالاً مقابل أتعابه وتبليغه، فإن الناس سينفضون من حوله أو يتركونه وحيداً ليس معه أحد. يقول القرآن الكريم: (اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون). (يس: 21).

فكأنما طبيعة البشر أنهم يتبعون الذي لا يطلب مالاً ولا عقاراً. وهذه حقيقة لا يرقى إليها الشك، وقد جاءت هنا في حقل التبليغ، وليس في غيره، لأننا أحياناً كثيرة نطلب المال من الناس بعنوان الحقوق الشرعية: (وفي أموالهم حقق للسائل والمحروم) (الذاريات: 19).

ويقول: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) (المعارج: 24-25).

بل أحياناً يكون أخذ المال، بمثابة عملية تربوية، ومحاولة جادة لتطهير النفوس، من الشح والبخل والحرص والطمع، بل من كل أمراض النفس الأمّارة بالسوء، يقول القرآن الكريم: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكّيهم بها وصلّ عليهم إن صلواتك سكن لهم) (التوبة: 103).

هكذا كان يتحدث الشيخ الكعبي مع طلابه، وتلامذته الذين خرّج منهم خطباء كباراً يشار إليهم بالبنان، وقد كان لكلامه هذا أثر عظيم في نفوس طلابه وتلامذته، لأنه لم يكن كلاماً فارغاً بعيداً عن التطبيق، وإنما كان قولاً مشفوعاً بالعمل، فالشيخ الكعبي ما كان يعامل أحداً على أساس المادة وأخذ المال في مقابل المنبر أبداً.. وإنما كان يصعد المنبر لأداء رسالة مقدسة.. بل أكثر من ذلك، فقد عرفناه إذا يسأله أحد أصحاب المجالس عن المقدار الذي يجب أن يقدمه إليه من المال، فإنه كان يرفض القراءة، ولا يصعد المنبر في مثل هذه الأجواء المادية اللزجة الدبقة..

وأكثر من ذلك فقد رأيناه لا يفتح ظرفاً فيه مال يعطى إليه من قبل أصحاب المجالس، وإنما كان يتركه في بيته كما هو، دون أن ينظر إليه، أو يعده مثلاً.

على أنه كان في الغالب يعطي ما يأخذ من المنبر للفقراء والمساكين، والمحرومين فيوزع المال، على الأسر الفقيرة، وهي كانت بالمئات، حيث كان الشيخ الكعبي يرعاها بعطفه ورأفته، وكرمه وكبر نفسه، فكان يتفقد العوائل الفقيرة، وكان يدلف إليهم في أوقات خاصة، لا يراه فيها أحد، ولا يعرفه أحياناً حتى صاحب الحاجة، فكان يقضي حوائج الناس دون أن يذكر لأحد منهم ماذا صنع وهذه لعمري، من خصال الأنبياء وأخلاق أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام).

فأين نحن الآن من بعض الناس الذين يجعلون هذا الطريق المقدس، طريق تجارة ومادة وطمع؟! أعاذنا الله وإياكم من رجفات الطمع، وسورات الحرص والبخل والجبن، فإنها غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله.

وخلاصة الكلام: أن الخطيب الحسيني الذي يراه الكعبي، إنما هو صاحب رسالة، وحامل مبدأ لا يبتغي من وراء تبليغ رسالته إلا رضى الله عز وجل. وهذه نفحة طيبة، من نفحات الشيخ الكعبي (رحمة الله عليه) التي كان يغمرنا بها بين فترة وأخرى.. حتى تركت هذه النفحات في نفوسنا معيناً لا ينضب أبداً، وعطاءً لا يعرف الانقطاع، لأنه عطاء متصل بالعطاء الكبير، بالكوثر الذي لا يتوقف عن التدفق والجريان.

على أن هذه الكلمات، إنما هي نداء صادق من الشيخ عبد الزهراء الكعبي إلى كل خطيب وداعية، أن يجعل المنبر وسيلة مقدسة، لغاية شريفة، وليس وسيلة للتجارة والربح والمادة.

واقرأوا معي إذا شئتم قوله تعالى: (اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون) (يس: 21).

 

فصول من قصة حياة الشيخ الكعبي:

تبدأ قصة حياة الشيخ الكعبي على الشكل التالي:

في كربلاء المقدسة.. كان الناس يرون شيخاً طاعناً في السن، يمسك بيده صبياً لم يبلغ الحلم، تبدو عليه رقة الحال، وآثار الحرمان،.. فيذهب به إلى أحد الكتّاب، أو قل: دروس الكتابة، فيودعه عنده ليعلمه القراءة والكتابة ويفقهه في الدين.. وكان هذا الصبي يقبل على القراءة والكتابة إقبالاً منقطع النظير.. كما كان يحضر جلسات حفظ القرآن الكريم، فيحفظه في أقل من ستة أشهر، وكان آية في الحفظ وإتقان الدروس، والقدرة على استيعابها..

ثم استمرت الأيام تمشي بالصبي في هذا الاتجاه، حتى إذا بلغ أشدّه واستوى، أخذ العلم يتدفق من جوانبه، وارتحل صعوداً في معارج الكمال، وراح يتسلق سلم المجد.. ويقطع معارج العلم والحلم، والفصاحة والشجاعة والبيان، حتى غدا من أكابر الخطباء وأعاظم العلماء، ومن كبار الفقهاء والأدباء.. لقد كانت منابره وخطاباته تهز الأسماع والقلوب.. بل تهز الجبال والنفوس.

واستمرت مدرسته تصدّر العلماء وتربّي الخطباء، وتقدم للأجيال أحسن عطاء..

وفي يوم وفاته، كان أحد الأولياء يرى في المنام أن فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، كانت تشارك في تشييع جثمانه الطاهر حيث وافته المنيّة وقضى نحبه بفعل رشفة قهوة مسمومة كان قد قدّمها إليه بعض الأوغاد السفهاء من أولاد الأدعياء، فقضت عليه في أقل من ساعة يوم وفاة فاطمة (عليها السلام).

فمن هو هذا الرجل العظيم، أو قل من هو هذا الطفل الذي راح يتدرج في سلم التكامل تدرجاً سريعاً فتغذى بروح الإسلام، ورضع من ثدي الإيمان والعقيدة؟

تلكم كانت، باختصار شديد، قصة شيخنا الكعبي الذي كان خادماً للحسين بحق وإخلاص، وصدق.


1ـ كان يوصيني بتقوى الله، وكان يقول لطلابه وتلامذته: إن الخطيب لا يؤثر في الناس بكلامه فقط، وإنما يؤثر فيهم بألفاظه ونظراته ولسانه، فإذا كان غاضاً بصره عن محارم الله، ووقف سمعه على العلم النافع له، فإنه يهز القلوب بقوة التأثير التي تتدفق من بيانه وسجاياه وأخلاقه.


2ـ كان قليل الأكل، قليل النوم، كثير العبادة والتهجد.. فقد كنت أرقب حياته على مقربة منه، فأجد فيه شيخاً ناسكاً، قارئاً للقرآن، ومن فطاحل القرّاء، وشيوخ القراءة.


3ـ ومن غرائب حياته، أنه لم يراجع عيادة طبيب أبداً.. وكان أكثر وقته سليماً معافى، فإذا أصيب بنكسة في صحته، فإنه يلجأ إلى الدعاء ويتداوى بتربة الحسين (عليه السلام).

وهنا أود أن أشير إلى أن السمهودي في كتابه (وفاء الوفاء) يذكر أن المسلمين كانوا يتداوون بتراب المدينة.. وكانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تصنع من تراب قبر الحمزة سبحة تصلي بها... الخ.


4ـ احترامه للإمام الحسين (عليه السلام)، فهو كان يحتفي يوم عاشوراء، وكان لا يقف عند رأس الحسين أبداً، وإنما كان دائماً يزوره عند رجليه، ويسلم عليه من عند قبر ولده علي الأكبر (عليه السلام).


5ـ إنه كان لا يصعد المنبر بقصد الربح المادي، وإنما كان يصعد المنبر بنيّة حمل الأمانة، وحمل رسالة الحسين (عليه السلام).

هذه حقيقة شيخنا الجليل في هذا المجال وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، في قوله تعالى: (اتبعوا من لا يسألكم أجراً) (يس: 21). فالناس جبلوا على أن يتابعوا الخطيب الذي لا يسألهم أجراً، ولا يريد منهم جزاءً ولا شكوراً.

إن الخطيب الذي يصعد المنبر بقصد جمع المال، والحصول على حطام الدنيا، هو خطيب باع نفسه بثمن بخس ودراهم معدودة، بخلاف الخطيب الذي يصعد المنبر، بقصد إيصال صوت الحسين (عليه السلام) إلى العالم أجمع.

إن الشيخ الكعبي الجليل كانت له علاقة غريبة بمنبر الحسين.. كان يقدس المنبر إلى درجة العبادة، فهو لا يصعد إليه إلا وهو على وضوء، ولا يتكلم إلا بكلام يرضي الله، وينفع الناس، وكأنه قد أخذ درسه العظيم هذا من الإمام زين العابدين (عليه السلام) حين قال ليزيد: ائذن لي أن أصعد هذه الأعواد، فأتكلم بكلمات فيهن لله رضىً ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب.

- وكان الشيخ الكعبي يقول: إن حديثاً شريفاً واحداً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خصوص المنبر يكفي لإيقاظ الشعور الديني في أعماقنا.. ثم يقرأ الحديث: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر الغفاري (رضي الله عنه): يا أبا ذرّ! ما من خطيب إلا وعرضت عليه خطبته يوم القيامة، وما أراد بها.. أي إن الخطبة لا تعرض وحدها، وإنما تعرض معها نيّة الخطيب ومقصده، هل كان في نية حسنة، ومقصد جميل، يوم قال هذه الخطبة أم لا؟.. وهل كان الخطيب على المنبر مؤمناً بما يقول أم مجرد كلمات جوفاء فارغة تعوّد أن يقولها للاستنفاع بحطام الدنيا والالتذاذ بمتعها؟

أجل.. هكذا كان الشيخ عبد الزهراء الكعبي يفكر قبل الصعود على المنبر، ويفكر وهو فوق المنبر، ويفكر بعد نزوله من على المنبر.

كان يقدم وصاياه إلى كل من كان يسير في ظله من الخطباء المبتدئين.. وكان هناك أكثر من خمسين خطيباً انتفعوا بهذه الوصايا وتأثروا بها وبأسلوبه وطريقته في الخطابة، فهو كان حريصاً على إعداد جيل جديد من الخطباء متسلّح بثقافة دينية صحيحة، ثقافة أهل البيت (عليهم السلام).

كان الشيخ الكعبي، يؤمن بأن المنبر هو الخطيب نفسه، فإذا أراد الخطيب منبراً قوياً، فما عليه إلا أن يقوي نفسه.. فالمنبر القوي هو الخطيب القوي.. والمنبر الخاشع المؤثر هو الخطيب الخاشع المؤثر.. ولا يتأتى الخشوع للخطيب إلا بملازمة التقوى، وبمعاهدة صلاة الليل.. وبالمحاسبة الدائمة للنفس وشطحاتها.. إذ لا يمكن أن يوجد خطيب على مستوى رفيع، من دون هذه الشروط التي ذكرناها.

كان الشيخ الكعبي يذكر الموانع التي تمنع الخطيب من الانطلاقة في رسالة المنبر فيذكر من الموانع التي تعيق المسيرة:


- أولاً: الديون التي تأتي كنتيجة طبيعية للإسراف والتبذير، والعطاء بغير قانون.


- ثانياً: الأخلاق السيئة وضيق النفس. فإذا عرفت أن الشرط الأساسي، لبلوغ النجاح في الخطابة والكتابة، إنما هو في انشراح الصدر، أدركت أن الضيق، وسوء الخلق، وسرعة النرفزة والغضب، إنما تشكل هذه كلها سداً منيعاً بوجه التقدم. وفي هذا المجال نقرأ آيتين من القرآن الكريم، واحدة تتحدث عن السبب الكامن وراء انطلاقة الخطيب فوق المنبر.. بينما الثانية تتحدث عن السبب الأول الكامن وراء تلكّؤ الخطيب وانكساره فوق هذا المنبر:

فالأولى قوله تعالى: (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني) (الشعراء: 13).

والثانية قوله تعالى: (رب اشرح لي صدري) (طه: 25).. كما مر علينا.

ثم يضيف الشيخ الكعبي عاملاً ثالثاً وهو: عدم الالتزام بمبادئ الحق والأمانة والصدق، وكان يضرب أمثالاً في هذا المجال، ويروي قصصاً جميلة لا تخلو من الطرافة والفائدة.

وكان إذا سأله شخص عن الطريق إلى المنبر، وكيف يصبح الواحد منا خطيباً ناجحاً، يجيبه بقوله: لكي تصبح خطيباً ناجحاً، وكاتباً قديراً، لابد لك من تطبيق المنهج التالي:

1ـ تزكية النفس بالأخلاق والعبادة، وصلاة الليل، والمعاهدة في التربية..

2ـ العلم والفكر والمضمون الجيد.

3ـ الأدب العربي الأصيل.

4ـ الإبداع في اللغة الإنكليزية.

5ـ الحفظ والتذكار، والتأمل.

علماً أنه ما كان يتقن اللغة الإنكليزية، ولكنه كان يوصي طلابه بإتقان لغة أجنبية حتى يستطيع صاحب المنبر الانتشار أكثر فأكثر في تبليغ رسالته.

ولكي نستوعب أفكار الشيخ الكعبي في المنبر والخطابة، تعالوا معي نقرأ شيئاً من نثره في هذا المجال، فقد كان من عادته أن يكتب دائماً بقلمه تجاربه في المنبر، وفي الفصاحة والبلاغة، فنسمعه هنا يقول: إن مقومات الخطابة تنبع من أعماق نفس الإنسان، لأن الله عز وجل خلق الإنسان خطيباً: (خلق الإنسان علّمه البيان) (الرحمن: 3-4).

وعلى هذا يكون كل إنسان خطيباً، إذ أنه ـ أي الإنسان ـ يحمل ملكة الخطابة، وموهبة البيان في داخله، وإذا أراد أن يطلقهما فما عليه إلا أن يحرك مشاعره ويركز عقله نحو هذا الهدف، ليجد الخطابة تتدفق على لسانه كالشلال القوي.

ونقرأ الآن ما كتبه الشيخ الكعبي بقلمه في هذا الخصوص:

 

من مقومات التبليغ، نموذج من نثره

التبليغ لا يكون إلا بمقومات، فإذا توفرت في المبلغ نجح في رسالته، وأدى مهمته، وكان معذوراً أمام الله تعالى، وممدوحاً عند الناس.. وأما إذا لم تتوفر تلك المقومات في المبلّغ رسب وفشل وباء بالخسران. ولم يُسمع كلامه، ولم يفد نصحه، ولم ينجح إرشاده، فعلى المبلغ أن يتعاهد نفسه فينظر، هل كملت فيه المقومات، أم أنها ناقصة، حتى يتمّها إن أراد الهداية والإرشاد، وشاء نجاح التبليغ.

ومقومات التبليغ كثيرة، من أهمها: المثابرة والصبر والثبات، والصمود في الدعوة، والمداومة على الإرشاد، بأن لا ييأس وإن طال الأمد، ولم ير نتيجة من إرشاداته، فإن تقويم الناس، وبث روح الفضيلة وحب الحق فيهم من أصعب المشكلات، وذلك بخلاف إشاعة الرذائل، ونشر الباطل، فإن النفس ميالة بطبيعتها إليهما، ومثل الحق والباطل مثل البناء والهدم، إن البناء يحتاج إلى خبرة وتجربة وعلم ودراية ومشقة وجهد، وبذل الأموال، وصرف الأعمار، وذلك بخلاف الهدم، فإنه يتأتى من يد أجهل الناس، وأفقر الناس، ولا يحتاج من الوقت إلا قليلاً، ومن العمر إلا ضئيلاً.

وفي القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وقصص الأنبياء، وحكايات المصلحين، دروس وعبر وعظات بهذا الصدد، مما يفيد لزوم الصبر والصمود للمبلغ، والمصلح، والداعية والمرشد. ففي القرآن الكريم:

(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 200).

(والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعلوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر: 1-3).

(واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) (النحل: 127).

(فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) (الأحقاف: 35).

.. وغيرها وغيرها كثير.

أما حكايات الأنبياء، ونبي الإسلام (عليهم الصلاة والسلام) في هذه الناحية فمما تثير الدهشة وتورث أشد العجب. هذا يونس (عليه السلام)، يلبث في قومه خمساً وثلاثين سنة - على ما في بعض الآثار - فلا يجيب دعوته إلا نفران، عالم وعابد فقط!! وأعطب من هذا، أنه لم ييأس من هدايتهم ويدعُ عليهم بالهلاك، يعد ذلك منه (عليه السلام)، من ترك الأولى، حتى أن الله سبحانه وتعالى يخاطب نبي الإسلام في هذا الشأن، وينهاه عن عدم الصبر، والضجر، كما اعترى يونس (عليه السلام)، إذ يقول القرآن الحكيم: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم) (القلم: 48).

ألا تكفي هذه القصة ـ وهذه القصة فقط ـ للمبلغ، ليعتبرها درساً في مهمته التبليغية فلا ييأس وإن طال الزمان، بل يثابر ويصمد في الحق ويتواصى بالصبر.

أما قصة نوح النبي (عليه السلام)، فمدهشة غريبة، إنه دعا إلى الله والى الحق والفضيلة، ودعا ودعا، وكم تقدر زمان دعوته؟ شهر؟ كلا، سنة؟ كلا، عشر نوات؟ كلا، خمسون سنة؟ كلا، مائة سنة؟ كلا، فكم دعا يا ترى؟ إنه دعا إلى الله تعالى بنص القرآن، قروناً وقروناً. استمع إلى القرآن يقول: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) (العنكبوت: 14).

يا لله! ألف سنة إلا خمسون عاماً يدعو، فكم عدد الذين أجابوا داعيه؟

تحدثنا الآثار أنهم كانوا بين سبعة وبين ثمانين، هذا العدد الضئيل. وكيف كانت دعوته، هل في الأسبوع مرة، أم في الشهر عشر مرات؟ اسمعه (عليه السلام) يشكوا إلى الله قائلاً - كما يحدثنا القرآن -: (قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً فلم يزدهم دعاءي إلا فراراً وإني كلّما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصرّوا واستكبروا استكباراً ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً) (نوح: 5-9).

وهكذا سائر الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام).

أما نبي الإسلام، فقضاياه مع قومه مشهورة. إنهم كذبوه وآذوه ورموه بالحجارة ونسبوه إلى الجنون والكهانة والسحر وحب المال وحب الجاه وإرادة تزويج بعض الفتيات مما جعل النبوة وسيلة إليها، وأخيراً قاطعوه وقاطعوا أهله حتى لبثوا في الشعب ثلاث سنوات وكل ليلة كانت مظنة للهجوم عليه وقتله حتى أن أبا طالب عم النبي كان يبدّل منام رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل ليلة مرة أو مرات ويُنيم في فراشه علي بن أبي طالب (عليه السلام).

ألا تكفي قصة دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لنا ـ نحن معاشر المبلغين ـ درساً ومنهاجاً!!

والله تعالى يقول: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتولّ فإن الله هو الغني الحميد) (الممتحنة: 6).

ويقول الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام): فليتأس متأس بنبيّه، وإلا فلا يأمنن الهلكة.